الاثنين، 9 يوليو 2012

ستبقى بعيني ولحمي ملاك


ستبقى بعيني ولحمي ملاك

IP

الحياة,,حتى آخر قطرة




الحياة,,حتى آخر قطرة
وإن قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم، فماذا تفعل؟ لن أحتاج إلى مهلة للرد: إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنت ظمآن شربتُ. و إذا كنتُ أكتب، فقد يعجبني ما أكتب و أتجاهل السؤال. و إذا كنت أتناول طعام الغداء, أضفت إلى شريحة اللحم المشويّة قليلاً من الخردل و الفلفل. و إذا كنت أحلق، فقد أجرح شحمة أذني. و إذا كنت أقبل صديقتي، التهمت شفتيها كحبة تين. و إذا كنت أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا كنت أقشِّر البصل ذرفت بعض الدموع. و إذا كنت أمشي واصلت المشي بإيقاع أبطأ. وإذا كنت موجوداً، كما أنا الآن، فلن أفكِّر بالعدم. وإذا لم أكن موجوداً، فلن يعنيني الأمر. وإذا كنت أستمع إلى موسيقى موزارت، اقتربتُ من حيِّز الملائكة. وإذا كنتُ نائماً بقيت نائماً وحالماً وهائماً بالغاردينيا. وإذا كنتُ أضحك، اختصرتُ ضحكتي إلى النصف احتراماً للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو كنتُ أشجع من أحمق، و أقوى من هرقل؟

اثر الفراشة، محمود درويش

IP

الأحد، 8 يوليو 2012

محاولة رثاء بركان


اربعون عاماً على اغتيال الشهيد العاشق "غسان كنفاني"
لا توجد كلمات بإمكانها أن ترثي شخصاً مثل غسان، إنهُ فلسطين وفلسطين هو !
محمود درويش في رثاء غسان كنفاني
اكتملت رؤياك، ولن يكتمل جسدك. تبقى شظايا منه ضائعة في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق.
ولم يكتمل حضورنا نحن الأحياء ـ طبقاً لكل الوثائق. نحن الأحياء مجازاً، وأنت الميت ـ طبقاً لكل الوثائق، أنت الميت مجازاً.
نحزنُ من أجلك؟ لا
نبكي من أجلك؟ لا
أخرجتنا من صف المشاهدين دفعة واحدة وصرنا نتشوف الفعل، ولا نفعل.
أعطيتنا القدرة على الحزن، وعلى الحقد، وعلى الانتساب. وكنا نتعاطى الحزن بالأقراص، ونتعاطى الحقد بالحقن، ونتعاطى الانتساب بالوراثة.
مرة واحدة، أعطيتنا القدرة على الاقتراب من أنفسنا، وعلى الرغبة في الدخول إلى جلودنا التي خرجنا منها دون أن ندري، الآن ندري ـ حين خرجت منا.
حملناك في كيس ووضعناك في جنازة بمصاحبة الأناشيد الرديئة، تماما كما حملنا الوطن في كيس، ووضعناه في جنازة لم تنته حتى الآن، وبمصاحبة الأناشيد الرديئة.
كم يشبهك الوطن!
وكم تشبه الوطن!

IP

السبت، 7 يوليو 2012

الحنين


الحنين، استرجاعٌ للفصْل الأجملِ في الحكاية: الفصل الأوّل المُرتجَل بكفاءة البديهة.
هكذا يُولدُ الحنينُ من كلّ حادثةٍ جميلة، ولا يُولدُ من جُرْح. فليس الحنينُ ذكرى، بل هو ما يُنتقى من متحف الذاكرة. الحنينُ انتقائيٌّ كبُستانيٍّ ماهر، وهو تكرارٌ للذكرى وقد صُفِّيَتْ من الشوائب. وللحنين أعراضٌ جانبيّةٌ من بينها: إدمانُ الخيالِ النظرَ إلى الوراء، والحَرَجُ من رَفع الكُلفة مع الممكن، والإفراطُ في تحويل الحاضر إلى ماضٍ، حتى في الحُبّ: تعالي معي لنصنعَ الليلةَ ماضياً مُشترَكاً – يقولُ المريضُ بالحنين. سآتي معكَ لنصنعَ غداً مُشترَكاً – تقولُ المُصابَةُ بالحُبّ. هي لا تحبّ الماضي وتريدُ نسيانَ الحرب التي انتهتْ. وهو يخافُ الغدَ لأنّ الحربَ لم تنتهِ، ولأنه لا يريدُ أن يكبرَ أكثرَ.
الحنينُ ندبةٌ في القلب، وبصمة بلدٍ على جسد. لكن لا أحد يحنُّ إلى جُرْحه، لا أحد يحنّ إلى وجعٍ أو كابوس، بل يحنّ إلى ما قبْله، إلى زمنٍ لا ألم فيه سوى ألم الملذّاتِ الأولى التي تذوّبُ الوقتَ كقطعةِ سُكّر في فنجان شاي، إلى زمنٍ فردوسيّ الصورة. والحنينُ نداءُ الناي للناي لترميم الجهةِ التي كسرتْها حوافرُ الخيل في حَمْلةٍ عسكريّة. هو المرَضُ المُتقطِّعُ الذي لا يُعْدي ولا يُميتُ، حتى لو اتّخذ شكلَ الوَباءِ الجمعيّ. هو دعوةٌ للسهر مع الوحيد، وذريعةُ العَجْز عن المُساواةِ مع رُكّاب قطارٍ يعرفون عناوينَهم جيّداً. وهو ما يُجمَعُ لأحلام الغرباء من موادّ مصنوعةٍ من شفافيّة اللاشيء الجميل، ويُحمِّصُ لهم بُنّ اليقظة.
ونادراً ما يأتي صباحاً. ونادراً ما يتدخّلُ في حديثٍ عابرٍ مع سائق تاكسي. ونادراً ما يتطفّلُ على قاعةِ مُؤتمر، أو على الموعدِ الأوّل بين أنثى وذكَر ... هو زائرُ المساء، حين تبحثُ عن آثاركَ في ما حولكَ ولا تجدها، حين يحطُّ على الشُرْفةِ دُوريٌّ يبدو لكَ أنه رسالةٌ من بلدٍ لم تحبّه وأنتَ فيه، كما تحبّه الآن وهو فيك. كان مُعطىً وشجرة وصخرة، وصار عناوين روح وفكرة، وجمرة في اللغة. كان هواءً وتراباً وماءً، وصار إلى قصيدة.
الحنينُ أنينُ الحقّ العاجز عن الإتيانِ بالبُرهان على قوّة الحقّ أمام حقّ القوّة المُتمادية... أنينُ البيوتِ المدفونة تحت المُستعمَرات، يُورِثُهُ الغائبُ للغائب، والحاضرُ للغائب، مع قطرة الحليب الأولى، في المَهاجر والمُخيّمات. الحنينُ صوتُ الحرير الصّاعدِ من التوت إلى مَنْ يحنُّ إليه في أنينٍ متبادَل. هو اندماجُ الغريزةِ بالوعي وباللاوعي.. وشكوى الزمن المفقود من ساديّة الحاضر.
الحنينُ وجَعٌ لا يحنُّ إلى وجع. هو الوجعُ الذي يُسبّبه الهواءُ النقيُّ القادمُ من أعالي جبلٍ بعيد، وجعُ البحث عن فرَحٍ سابق. لكنه وجعٌ من نوعٍ صحّيٍّ، لأنهُ يُذكّرُنا بأننا مرضى بالأمل ... وعاطفيّون!
من كتاب: في حضرة الغياب

IP

الجمعة، 6 يوليو 2012

أهواك


أهواك ولى قلبُ بغرامك يلتهبُ..
تدنيه فيقتربُ ..
تقصيه فيغتربُ ..
فى الظلمةِ يكتئبُ ويهدهدهُ التعبُ .. 
فيذوب وينسكب كالدمع من المقلِ..

IP

في ما مضى


"بين الأشياء التي تقال 
والأشياء التي لا تقال
مسافات أبعد من المدى..
بين المسافات التي تعبر 
والتي لاتعبر 
عيون تغرز في الصميم..
بين الأجيال المارة 
والتي لم تأت بعد 
مجرات من الصدف..
بين الأرض والسماء
لقاءات سرية
لكائنات نورانية..
بين العدم والأزل
وعود سماوية..
أو حمم بركانية..
في ما مضى
طلع النور من العدم
في ما مضى صار هناك أزل .."
ندى الحاج

IP

أعتذر للصدفة، لأنني أسميها الحتمية


"أعتذر للصدفة، لأنني أسميها الحتمية.
أعتذر للحتمية إن كنت مع ذلك مخطئة.
لا تغضبي أيتها السعادة، لأنني أعيشك وكأنك لي.
لينس لي الأموات، أنهم بالكاد يومضون في الذاكرة.
أعتذر من الوقت لكثرة ما أغفل من العالم
في اللحظة الواحدة.
أعتذر للحب القديم، لأنني أعتبر الجديد هو الأول.
سامحيني أيتها الحروب البعيدة، لأنني أحمل الورود إلى البيت.
اغفري لي أيتها الجراح المفتوحة، وخزي بإصبعي.
أعتذر للمنادين من الهاوية، لأجل تسجيلات موسيقى الرقص.
أعتذر من الناس في المحطات، لنومي في الخامسة صباحاً.
اغفر لي أيها الأمل المقطوع، أنني أحياناً أضحك.
اغفري لي أيتها الصحارى، أنني لا أسارع بملعقة ماء.
وأنت أيها البازي، القابع من سنين، في نفس القفص،
المحدق أبداً بلا حراك في نفس النقطة،
سامحني حتى وإن كنت طائراً متخماً. 
أعتذر من الشجرة المقطوعة، لأرجل الطاولة الأربع.
أعتذر من الأسئلة الكبيرة للأجوبة الصغيرة.
أيتها الحقيقة، لا تعيريني كبير انتباه.
أيها الوقار لا تؤاخذني.
تحمل ياسر الوجود، حين أستل خيوط ذيل ثوبك.
لا تحاكميني أيتها الروح، لأنني نادراً ما أمر بك.
أعتذر لكل شيء لأنني لم أستطيع أن أكون في كل مكان.
أعتذر لكل واحد لأنني لا أتقن أن أكون كل واحد
وكل واحدة.
أعرف، أنني ما دمت حية بلا شيء يشفع لي،
لأنني بنفسي أقف عقبة في طريق نفسي
لا تؤاخذني أيها الكلام، لأنني أستعير الكلمات الطنانة،
ثم أضيف إليها الصعوبة، كي تبدو خفيفة."
فيسوافا شيمبورسكا

IP